منتدى الأمل
حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
ياهلا بك في منتدانا ..
ان شاء الله تسمتع معانا ..
وتفيد وتستفيد ..
وبانتظار تسجيلك و مشاركاتك وابداعاتك ..


 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  خالد بن الوليد يقود جيوش الشام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسام الدين
عضو مجتهد
عضو مجتهد
avatar

الجنس : ذكر
مشاركاتيے : 203
تاريخ انظمامي للأمل : 20/04/2012

مُساهمةموضوع: خالد بن الوليد يقود جيوش الشام   السبت مايو 26, 2012 6:03 pm



<tr></tr>


خالد بن الوليد يقود جيوش الشام

عندما
تواترت الأخبار القادمة إلى أبي بكر الصديق بحشد الروم لأعداد هائلة من
المقاتلين تضيق بهم الأرض كما يقول الرواة ، ولما كان خالد بن الوليد رضي
الله عنه قد أنجز مهمته في العراق على أحسن وجه ، فطهّر غربي نهر الفرات
من أية قوّة فارسية ، واستقر به الأمر في الحيرة ، منتظراً إذن الخليفة
بالانقضاض على المدائن عاصمة الفرس ...


لذلك
رأي الخليفة الصدّيق رضوان الله عليه بنظره الاستراتيجي الثاقب ، أن
الموقف في الشام أكثر إلحاحاً ، وأشدّ حاجة لفكر خالد العسكري المبدع ،
ولقيادته المتميّزة، فقرر تحريكه من العراق إلى الشام ، وهذا نص رسالته
إليه :


(
أما بعد ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فدع العراق ، وخلّف فيه أهله الذين قدمت
عليهم وهم فيه ( يقصد المثنى ومن معه من بني شيبان ) ، وامض متخفّفاً في
أهل القوّة من أصحابك ، الذين قدموا العراق معك من اليمامة ، وصحبوك من
الطريق ، وقدموا عليك من الحجاز ، حتى تأتي الشام ، فتلقى أبا عبيدة بن
الجرّاح ، ومن معه من المسلمين ، فإذا التقيتم ، فأنت أمير الجماعة ،
والسلام ...)


وفور وصول رسالة الصدّيق ، قال خالد رضي الله عنه : ( سمعاً وطاعة لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم )

وقسم
جيشه إلى نصفين ، نصف معه ، ونصف أبقاه مع المثنى رضي الله عنه ، ثم التفت
إلى من بقي في العراق مودعاً ومطمئناً فقال : ( إن في الشام أهل الإسلام ،
وقد زحفت إليهم الروم ، وتهيؤوا لهم ، وإنما أنا مغيثٌ لهم ثم راجع إليكم
، فكونوا أنتم هاهنا على حالكم التي أنتم عليها ، فإذا فرغت مما أنا شاخص
له ، فأنا منصرفٌ إليكم عاجلاً ، وإن أبطأت ، رجوت ألا تعجزوا ولا تهنوا ،
فإن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليس بغافل عنكم ، ولا بتارك أن
يمدّكم بالرجال والجنود حتى يفتح الله عليكم هذه البلاد إن شاء الله )


فبكى القوم حزناً على فراق خالد لما كانوا يحبونه ويرجون النصر والفتح على يديه.

وخرج
خالد من الحيرة بتسعة آلاف مجاهد ، وذلك في الثامن من شهر صفر للسنة
الثالثة عشرة للهجرة ، وكتب من فوره إلى أخيه أبي عبيدة رسالة تقطر بالأدب
والتواضع قائلاً : (بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى أبي عبيدة بن الجرّاح من
خالد بن الوليد ( فقدّم اسم أبي عبيدة على اسمه معرفة لفضله ) سلام عليك
...


فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو .. أما بعد ، فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف ، والعصمة في دار الدنيا .

لقد أتاني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأمرني بالمسير إلى الشام ، والمقام على جندها ، والتولّي لأمرها .

و و الله ما طلبت ذلك ، ولا أردته ، ولا كتبت له فيه .

وأنت
رحمك الله على حالك التي كنتَ بها ، لا يُعصى أمرك ، ولا يُخالف رأيك ،
ولا يُقطع أمر دونك ، فأنت سيد من سادات المسلمين ، لا يُنكر فضلك ، ولا
يُستغنى عن رأيك . تمّم الله ما بنا وبك من نعمة الإحسان ، ورحمنا وإياك
من عذاب النار .


والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ... )

ثم كتب رسالة أخرى إلى جنوده الجدد في الشام : ( من خالد بن الوليد إلى من بأرض العرب من المؤمنين والمسلمين ..سلام عليكم ...

فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو .. أما بعد ...

فإني
أسأل الله الذي أعزّنا بالإسلام ، وشرّفنا بدينه ، وأكرمنا بنبيّه محمد
صلى الله عليه وسلّم ، وفضّلنا بالإيمان ، رحمة من ربنا لنا واسعة ، ونعمة
منه علينا سابغة ، أن يتم ما بنا وبكم من نعمته ... واحمدوا الله عباد
الله يزدكم ، وارغبوا إليه في تمام العافية يُدمها لكم ، وكونوا له على
نعمه من الشاكرين .


وإن
كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أتاني يأمرني بالمسير إليكم ،
وقد شمّرت ، وانكمشت ( أسرعت ) ، وكأنّ خيلي قد أطلّت عليكم في رجال ،
فأبشروا بإنجاز موعود الله ، وحسن ثوابه ، عصمنا الله وإياكم بالإيمان ،
وثبّتنا وإياكم على الإسلام ، ورزقنا وإياكم حسن ثواب المجاهدين ، والسلام
...)


ولما
عرف المسلمون بقدوم خالد فرحوا فرحاً عظيماً ، لما يعرفون عنه من شجاعة
نادرة ، وبطولة خارقة ، وحسن القيادة ، وميمون النقيبة ...


وأما
العملاق أبو عبيدة رضي الله عنه ، الذي كانت تولية خالد ، بمثابة عزل له ،
فلم يتبين في وجهه ، ولا في سلوكه أية كراهة ، ولما قرأ كتاب خالد رضي
الله عنه إليه ، قال : ( بارك الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم
فيما رأى ، وحيا خالداً بالسلام ) .


ولم
يلبثوا إلا قليلاً ، حتى هبط عليهم خالد من صحراء السماوة كالصقر الجارح ،
يسحق كل قوّة تقف في طريقه ، ويطهّر ما يمر عليه من البلدان ، فمر على عين
التمر ، ثم أخذ على قراقر ، ثم شوا ، ثم اللِّوى ، ثم قُصم ، ثم مرّ على
أرك ، ثم تدمر ، فافتتحها ، ثم أتى القريتين ، وحوارين ، ثم مرّ على أعراب
غسّان ، فاجتمعوا له في مرج راهط ، فانتسف عسكرهم في يوم فصحهم ، حتى طلع
على الجهة الشرقية من دمشق ، ونزل في غوطتها ، فدخل أهل دمشق المدينة
رعباً منه وأغلقوا عليهم أبوابها ، ثم تابع مسيره حتى نزل على أبي عبيدة
في الجابية ...


يا للروعة ... و يا للعظمة ... و يا لألق التاريخ ...!!!

ومرّة أخرى ، شكراً ، وألف شكر ، لرواة التاريخ ، الذين أوصلوا إلينا هذه الكنوز الباهرة ...

ومرّة أخرى أقول : ما أجدرنا أن نحافظ على هذا الإرث الحضاري العظيم ، ونقتدي به ، ونسير على نهجه ، وننسج على منواله ...!!!

معركة أجنادين

لم
يكن الروم جالسون بلا حراك ، بل كانوا يرقبون تحركات جيوش المسلمين بمنتهى
الحذر والقلق ، ونظروا إلى جيوش المسلمين المتفرّقة والمتباعدة ، فقرروا
الالتفاف عليها لإرباكها ، فوجّهوا قوة إلى عمرو بن العاص في فلسطين
للانفراد به وسحقه ، وفي نفس الوقت تحركت قوّة أخرى من حمص ، عليها وردان
، وهو واحد من خيرة قادتهم ، وسلكت طريق الداخل ، للالتفاف على شرحبيل
المرابط في منطقة بصرى من أرض حوران للاستفراد به وسحقه أيضاً ، ثم يلتفوا
على خالد وأبي عبيدة ، ويحصرونهما في منطقة دمشق بزعمهم ، بعد أن يكونوا
قد قطعوا عنهما خطوط الإمداد لهما من جزيرة العرب .


ولكن
عيون خالد كانت ترقب كل هذه التطورات بعين الصقر ، فقرر الانسحاب من عمق
الشام ، كعادته دوماً في عدم التمسك بالأرض ، إلى أقصى الجنوب في فلسطين ،
وأرسل إلى جميع الجيوش الإسلامية أن توافيه هناك ، وشدّد على شرحبيل بشكل
خاص ، وحذره من وردان ، وأمره بأن لا يشتبك معه ، حتى تجتمع الجيوش ،
وتكون المعركة الفاصلة ، كما أرسل إلى عمرو بن العاص يحذّره من القوات
الرومية المواجهة له بمثل ما حذّر به شرحبيل ...


وتحرّكت
الجيوش إلى الجنوب تسابق الريح حتى التقت جميعها في منطقة أجنادين من أرض
فلسطين ، ولما أحسّ وردان بإفلات شرحبيل منه ، وتحرك المسلمين بسرعة فائقة
إلى الجنوب ، خشي على القوة التي تقابل عمرو بن العاص في فلسطين من أن
ينفرد بها المسلمون فيسحقوها ، ولم يكن أمامه إلا أن ينصاع للأمر الواقع ،
فعبر نهر الأردن من شرقه إلى غربه ، والتحق بالجيش الرومي الذي كان يواجه
عمرو بن العاص ، وكان للعبقري خالد ما أراد ، من سحب جيش وردان بعيداً عن
حمص مركز انطلاقه وإمداداته ، وتجميع قواته المتفرّقة لتوجيه ضربة ساحقة
لأعدائه ، واختيار أرض المعركة التي يحب هو أن ينازل فيها أعداءه ...


وتقابل
الجيشان : كان ذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى ، للسنة الثالثة
عشرة للهجرة الشريفة . جيش المسلمين ، وهو لا يزيد على ثلاثة وثلاثين ألف
مجاهد ، وهم مجموع الجيوش الخمسة للمسلمين في أرض الشام ، بما فيهم جيش
خالد الذي قدم معه من العراق ، وجيش الروم الذي يزيد على مائة ألف مقاتل ،
ولكن المسلمين كانوا على يقين بأنهم لا يقاتلون أعداءهم بعدد ولا عدّة ،
إنما كانوا يقاتلون بهذا الدين العظيم .


وعبّأ
خالد قواته ، فجعل على المشاة أبو عبيدة بن الجراح ، وجعل على الميمنة
معاذ بن جبل ، وعلى الميسرة سعيد بن عامر ، وجعل على الخيل سعيد بن زيد ،
وأمر النساء أن يجلسن في مؤخرة الجيش لتشجيع المسلمين على القتال ...


وخرج بين صفوف قواته يحثّهم على الصبر ، ويحرّضهم على القتال ...

فأقبل
حتى وقف على كل قبيلة ، وكل جماعة ، وهو يقول : ( اتقوا الله عباد الله ،
قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، ولا تنكصوا على أعقابكم ، ولا تهنوا
من عدوّكم ، ولكن أقدموا كإقدام الأُسْد وأنتم أحرار ، فلقد أبيتم الدنيا
، واستوجبتم على الله ثواب الآخرة ، ولا يهولكم ما ترون من كثرتهم ، فإن
الله منزلٌ عليهم رجزه وعقابه )


ثم قال : ( فإذا حملت عليهم فاحملوا ) !!!

فكان أول من حمل على الروم ليكون قدوة لجنوده رضوان الله عليه ، ثم حمل أصحابه من بعده ...

يقول الرواة رحمهم الله : ( فما صبر الروم للمسلمين فواق ناقة )...!!!

وانهزموا
شرّ هزيمة ، وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ، وأصابوا معسكرهم وما حوى . ولما
انتهت أخبار هذه الهزيمة المنكرة إلى هرقل ، نُخِبَ قلبُه ، وسُقط في يده
، ومُليء رعباً ...!!!


وأما
خالد فقد كتب من فوره إلى أبي بكر الصدّيق يبشّره والمسلمين بالفتح العظيم
، وانظروا إلى أدبه وتواضعه مع خليفة رسول الله رضوان الله عليهم جميعاً :


(
لعبد الله ، أبي بكر ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، من خالد بن
الوليد ، سيف الله المصبوب على المشركين ، سلامٌ عليك ، أما بعد ...


فإني
أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأخبرك أيها الصدّيق أنّا التقينا
نحن والمشركون ، وقد جمعوا لنا جموعاً جمّة كثيرة بأجنادين ، وقد رفعوا
صُلُبهم ، ونشروا كُتُبهم ، وتقاسموا بالله لا يفرّون حتى يُفنونا أو
يُخرجونا من بلادهم .


فخرجنا إليهم واثقين بالله ، متوكّلين على الله .

فطاعنّاهم بالرماح ، ثم صرنا إلى السيوف ، فقارعناهم في كل شعب وفجّ

فنحمد الله على إعزاز دينه ، وإذلال عدوّه ، وحسن الصنيع لأوليائه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )

فلما قرأ أبو بكر الرسالة ، وعلم بالخبر ، فرح به فرحاً عظيماً ، وقال : ( الحمد لله الذي نصر المسلمين ، وأقرّ عيني بذلك )...

ونحن
نقول : الحمد لله الذي حفظ لنا هذا التراث الخالد لأولئك الصحابة الكرام
رضوان الله عليهم جميعاً ، وأوصله لنا بهذه الأمانة ، وهذه العظمة ، وهذا
النقاء وهذا الصفاء ...


وحريّ بنا أن نقتدي بهم ، وننهج نهجهم ، ونسير على هديهم ، ونجاهد جهادهم ، ونصبر صبرهم ، ونتخلّق بأخلاقهم ...

وفاة الخليفة أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه

بعد
أن فرغ خالد رضي الله عنه من مطاردة فلول الروم في أجنادين ، أمر قواته
بالتحرّك شمالاً إلى دمشق لمحاصرتها مرّة أخرى ، وسلك في مسيره الطريق
الشرقية الخارجية ليبتعد عن الحاميات الرومية في الداخل ، وترك شرحبيل بن
حسنة بأسفل الشام ، في منطقة الأردن ، ليحمي مؤخرة المسلمين ، ويمنع أي
تعرّض لهم من خلفهم .


نزل
خالد بجيشه الذي قدم معه من العراق شرق دمشق قبالة دير للنصارى ، الذي صار
يُعرف فيما بعد بدير خالد ، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية ، ونزل يزيد
بن أبي سفيان على جانب آخر من دمشق ، ونزل عمرو بن العاص على بعض أبوابها
وأحاطوا بها إحاطة السوار بالمعصم ، وهم يرجون فتحها...


وبينما
هم على ذلك ، إذ جاءت الأخبار إلى خالد ، وكانت عيون مخابراته لا تغفل ،
بأن الروم قد حشدوا له جيشاً في مرج الصُّفَّر إلى الجنوب من دمشق بحوالي
أربعين كيلومتراً ، وكان ذلك في السابع عشر من جمادى الآخرة ، للسنة
الثالثة عشرة للهجرة ، فتحرّك إليهم خالدٌ على تعبئة كاملة ...


يقول
الرواة عن خالد رضي الله عنه : ( وكان من أبصر الناس بالحرب ، مع وقار
وسكينة وشفقة على المسلمين ، وحسن النظر لهم ، والتدبير لأمورهم ).


وانقضّ
عليهم خالد بجيشه ، وأعملوا فيهم السيوف ، وكثر القتل في الروم ، وكانوا
على شاطيء نهر عليه طاحونة ، حتى جرت الدماء في ماء النهر ، وطحنت بها
الطاحونة (البلاذري 141 ).


وبعد أن هُزم جيش الروم شرّ هزيمة ، عاد خالد والمسلمون لمحاصرة دمشق والتضييق عليها ، ونزل كل جيش في مكانه السابق ...

وبينما
هم على ذلك إذ قدم يرفأ مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكتاب من المدينة
المنوّرة ، ودفعه إلى أبي عبيدة بن الجرّاح ، ولم يعطه لخالد رضي الله
عنهم جميعاً ، كان ذلك في السادس من رجب ، للسنة الثالثة عشرة للهجرة ...


كان
يرفأ يحمل رسالة من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما ، يعلمه
فيها بوفاة أبي بكر الصدّيق ، وتولية عمر الخلافة ، وعزل خالد بن الوليد ،
وتولية أبي عبيدة لقيادة جيوش الشام .


ولكن
أبا عبيدة لم يشأ أن يخبر خالد رضي الله عنهما بهذا الأمر لما كان يكنّه
له من حبّ واحترام ، ولما في هذا الخبر من حرج عظيم لأبي عبيدة ، وسيف
خالد يقطر من دماء الروم ، وهو يقود المسلمين من نصر إلى نصر ، وخرج يرفأ
من المعسكر راجعاً إلى المدينة ، وأبو عبيدة ما زال يتحرج في إخبار خالد
رضي الله عنهما .


ولكنه
الفاروق عمر ، الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، والذي كان يرى في سيف
خالد رَهَقاً ، ولطالما ألحّ على أبي بكر بعزله ، ولكن أبا بكر رضوان الله
عليه ، كان يأبى عليه ذلك ، ويقول لعمر : ( يا عمر ، ما كنت لأغمد سيفاً
سلّه الله على الكفار)


فكتب عمر إلى أبي عبيدة ثانية : ( من عبد الله عمر أمير المؤمنين ، إلى أبي عبيدة عامر بن الجرّاح ، سلام عليك .

فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، وأصلّ وأسلّم على نبيّه محمد ، وبعد ...

فقد
ولّيتك أمور المسلمين فلا تستحي ، فإن الله لا يستحي من الحق ، وإني أوصيك
بتقوى الله الذي أخرجك من الكفر إلى الإيمان ، ومن الضلال إلى الهدى ، وقد
استعملتك على جند خالد ، فاقبض جنده ، واعزله عن امارته ).


ولكن
أمراً كهذا لم يكن ليبقى مكتوماً إلى الأبد ، فلقد كانت رسل عمر بن الخطاب
تغدو وتروح على أبي عبيدة ، وأبو عبيدة كاتم للأمر ، محرج من إبلاغه ، حتى
علم خالد بالأمر عن غير طريق أبي عبيدة ، فأقبل حتى دخل عليه ، فقال :


( يغفر الله لك يا أبا عبيدة ، أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية ، فلم تعلمني ، وأنت تصلّي خلفي ، والسلطان سلطانُك .!؟)

فأجابه
أبو عبيدة : ( وأنت يغفر الله لك يا أبا سليمان ، والله ما كنت لأعلمك ذلك
حتى تعلمه من غيري ، وما كنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كلّه ، ثم قد
كنت أعلمُك إن شاء الله .


وما
سلطان الدنيا أريد ، وما للدنيا أعمل ، وإنّ ما ترى سيصير إلى زوال
وانقطاع ، وإنما نحن إخوان وقوّام بأمر الله عز وجل ، وما يضرُّ الرجل أن
يلي عليه أخوه في دينه ولا دنياه ، بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون
أدناهما إلى الفتنة ، وأوقعهما في الخطيئة ، لما يعرض من الهلكة ، إلا من
عصم الله عز وجل ، وقليل ما هم )


ثم
دفع أبو عبيدة كتاب عمر إلى خالد ، كان ذلك في السادس والعشرين من رجب ،
للسنة الثالثة عشرة للهجرة ، أي أن أبا عبيدة كان قد أخفى إمارته ، وعزل
خالد ، لأكثر من شهر ، وهو يصلّي خلفَه ، والولايةُ ولايتُه ( تُوفي أبو
بكر رضي الله عنه في الحادي والعشرين من جمادى الآخرة ، للسنة الثالثة
عشرة للهجرة )...


فلما
قرأ خالد الكتاب قال : ( الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت ، وكان
أحبّ إليّ من عمر ، والحمد لله الذي ولّى عمر ، وكان أبغض إليّ من أبي بكر
، ثم ألزمني حبّه )


سجّل يا تاريخ البشرية ... واحفظي يا ذاكرة الإنسانية ...!!!

سجّلوا
هذا الألق ، وهذا الطهر ، وهذا السموّ ، وهذا الإعجاز ، الذي يعزّ على
البشرية مجرّد تصوّره وتخيّله ، لولا أنه قد حدث فعلاً في واقع الصحابة
الكرام رضوان الله عليهم ، في يوم من الأيام ...!!!


أيها العرب ... يا شباب سورية الثائر ... أيها المجاهدون الأبرار في الشام ...

هذا هو تاريخكم ، وهذا هو ألق أجدادكم ...

تاريخ يشرّف السوريين ، وسيرة ترفع رأس العرب ، وألقٌ يبيّض وجوه المسلمين.

فهل نقتدي بهم ، ونسير على نهجهم ، ونجاهد جهادهم ...!؟

(( وقل اعملوا ، فسيرى اللهُ عملكم ورسولُه والمؤمنون )) صدق الله العظيم

معركة فحل بيسان

وبينما
كان المسلمون يحاصرون دمشق ، جمع الروم قوّة جديدة في الجنوب ( في منطقة
بيسان ) لضرب شرحبيل بن حسنة ، وقطع الإمدادات عن المسلمين من جزيرتهم
العربية ، كما حرّك هرقل قوة أخرى من انطاكية إلى بعلبك لدعم حامية دمشق
المحاصرة ، فاستشار أبو عبيدة خالداً رضي الله عنهما ، وكعادته فقد كان
خالد خصب الذهن العسكري ، حاضر البديهة ، فأشار على أبي عبيدة بأن يرسل
عمرو بن العاص وجيشه لدعم شرحبيل ، ويتحرك هو لسحق القوة الرومية المتجمعة
في بعلبك قبل أن تلتقط أنفاسها ، فأُعجب أبو عبيدة لرأيه ، وقال : ( نعم
ما رأيت يا أبا سليمان ).!


وفعلاً
تحرك عمرو إلى الجنوب لدعم شرحبيل المهدد ، وتحرك خالد إلى الشمال الغربي
لسحق القوة الرومية في بعلبك (على مسافة 80 كم من دمشق ) ، ولكنه فوجيء
بتحرّكها إلى الجنوب عن طريق البقاع ، بين سلسلتي جبال لبنان الوعرة ،
بعيداً عن أين خالد ، فقفل خالد راجعاً إلى أبي عبيدة ، وأخبره بالخبر ،
ثم استأذنه بالتوجه فوراً على رأس قوة من الفرسان السريعة ليلحق بجيشي
عمرو وشرحبيل قبل أن يشتبكا مع العدو ، فيشدّ ظهورهم ، ويرفع معنوياتهم ،
ويعلم الروم أن مدد المسلمين قد أتوهم ، على أن يلحق به أبو عبيدة بجيشه ،
ويبقى يزيد محاصراً لدمشق بجيشه ...


وتحرّك
خالد بفرسانه يسابق الريح ، حتى نزل في منطقة فحل على الضفة الشرقية لنهر
الأردن بين بحيرة طبريا والبحر الميت ، ثم لم يلبث أن لحق به أبو عبيدة
وعمرو وشرحبيل رضي الله عنهم جميعاً ، ونزل الروم في بيسان من أرض فلسطين
على الضفة الغربية من نهر الأردن ، خلف فرع من فروعه يُقال له نهر جالود
...


كان
الروم في الجانب الخصب من الأردن ، ولم يكن المسلمون في مثل ما كان فيه
الروم من الخصب والكفاية ، ولذلك كان من مصلحة الروم الانتظار ليتجمع
إليهم أكبر عدد من الجنود من القرى والرساتق التي تحيط بهم ، بينما كان من
مصلحة المسلمين معاجلتهم فوراً ...


فبدأ
المسلمون يغيرون بفرسانهم على القرى والرساتق والزروع للتحرش بالروم وقطع
إمداداتهم ، ففجّر الروم سدود نهر جالود حتى أغرقت المياه المنطقة السهلة
الفاصلة بين الجيشين ...


ثم جرت مفاوضات عقيمة بين الطرفين ، لم يثمر عنها أي شيء ...

وأصبح الصباح وقد صفّ المسلمون صفوفهم للقتال ...

ونهض
أبو عبيدة بالمسلمين من فحل نحو بيسان ، ودنا منهم ، وتقدّمت قوات
المسلمين تغير عليهم وتستفزّهم ، ولكنهم لم يحرّكوا ساكناً ، فعاد
المسلمون في المساء إلى مواقعهم .


وفي
اليوم التالي خرج إليهم خالد ومعه كتيبة من الفرسان الأشداء ، فاشتبك معهم
، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم عادت فرسان المسلمين ، ولها الظفر ، وأما
الروم فقد رأوا ما أصابهم من الوهن والهزيمة ، فانكسرت نفوسهم ، ووهنت
أُصُرهُم ، وهابوا المسلمين مهابة عظيمة .


وأراد
خالد أن يستثمر الهزيمة النفسية للروم ، فأشار على أبي عبيدة أن يكون
الهجوم الساحق فجراً قبل أن يلتق الروم أنفاسهم ، ويضمّدوا جراحهم ،
فوافقه أبو عبيدة ، وقال : ( فانهضوا على بركة غداً بالغداة )


ولما
مضى من الليل ثلثاه ، قام أبو عبيدة في الثلث الأخير من الليل ، فلم يزل
يعبيء المسلمين ، ويصفّ صفوفهم ، ويحمّسهم ، ويحرّضهم ، حتى أصبح ..


فلما
حان الفجر ، صلى بالمسلمين ، ثم قام من فوره ، فجعل على ميمنة الجيش معاذ
بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وجعل على المشاة سعيد بن زيد ، وعلى
الفرسان القائد المبارك خالد بن الوليد ، وبقي هو في القلب ، رضوان الله
عليهم جميعاً .


وركب
أبو عبيدة ، واستعرض الصف من أوله إلى آخره ، يقف على كل راية ، وكل قبيلة
، ويقول : ( عباد الله ، استوجبوا من الله النصر بالصبر ، فإن الله مع
الصابرين . عباد الله ، أنا أبشّر من قُتل منكم بالشهادة ، ومن بقي بالنصر
والغنيمة، فوطنوا أنفسكم على القتال ، والطعن بالرماح ، والضرب بالسيوف ،
والرمي بالنبل، ومعانقة الأقران ، فإنه والله ، ما يُدركُ ما عند الله إلا
بطاعته ، والصبر في المواطن المكروهة ، والتماس رضوانه ، ولن تبلغوا ذلك
إلا بالله )


وكان
من تدبير الله للمسلمين أن قائد الروم سقِلاّر بن مخراق ، كان قد قرر في
نفس تلك الليلة ، أن يعبر بجنوده منطقة الأوحال التي بينه وبين جيش
المسلمين ، ليبغتهم وهم نيام فيقضي عليهم بزعمه ، وفعلاً ، عبر منطقة
الأوحال ، وتقدّم باتجاه نهر الأردن ، ولم يرعه إلا وجيش المسلمين يتقدّم
في تعبئة تامّة ، وقد عبر نهر الأردن هو الآخر ، وصار أمام جيش الروم
وجهاً لوجه ، كان ذلك في الثامن والعشرين من ذي القعدة ، للسنة الثالثة
عشرة للهجرة الشريفة ...


نظر خالد فإذا بصفوف العجم لا يُرى أولها من آخرها ، وقد قدّموا الفرسان ، وجعلوا جندياً على يمين كل فارس وشماله ...

وكعادته
في الحرب فهو يبحث دوماً عن ثغرة ينفذ منها إلى أعدائه ، فهداه فكره
العسكري الملهم ، إلى أن تدعيم فرسان الروم بمشاتهم ورماتهم قوّة لهم ،
وأن أجنابهم من المشاة المجرّدة من الفرسان هي نقاط ضعفهم ، فقسّم فرسانه
إلى ثلاث مجموعات ، جعل على الأولى فارس العرب ، قيس بن هبيرة المرادي ،
وأمره أن ينقضّ على ميسرة الروم ، وقاد الثانية بنفسه لينقضّ بها على
ميمنتهم ، وجعل على الثالثة ، البطل ميسرة بن مسروق العبسي ، وقال له : (
صفّف مقابل صفّهم في خيلك ، فإذا رأيتنا قد حملنا ، وقد انتقض صفّهم ،
فاحمل على من يليك منهم )


ثم
خرج خالد بميسرة فرسانه حتى انتهى إلى ميمنتهم ، فلما علاها ، وخاف الروم
أن يلتفّ من ورائهم ، بعثوا إليه فرساناً لتشغله عن ذلك ، وكذلك فعل قيس
بن هبيرة ، ففعلوا معه مثل ما فعلوا مع خالد ...


وكان
ذلك ما أراد خالد ، أن يستدرج فرسانهم بعيداً عن مشاتهم ، ليفقدهم عنصر
التعاون بينهما ، وتركهم يتقدمون إليه ، حتى إذا دنوا منه ، نادى : ( الله
أكبر ، أخرجهم الله لكم من رجّالتهم ، شدّوا عليهم أيها المسلمون ).


فشدّ
عليهم ، وشدّ معه أصحابه ، ووضعوا السيوف والرماح فيهم حيث شاؤوا ، وصرعوا
منهم خلقاً كثيراً قبل أن ينتهوا إلى ميمنتهم ، وهكذا تمّ لخالد تصفية هذا
الجناح من فرسان الروم ، وكذلك فعل قيس بن هبيرة في جناحه ...


قال
الرواة : ( وحمل عليهم قيس بن هبيرة من قبل ميسرتهم ، فقصف بعضهم على بعض
، وقد تكسّرت في يده يومئذٍ ثلاثة أسياف ، وبضعة عشر رمحاً ) ...


فألف شكر لأمناء التاريخ الذين نقلوا إلينا هذا التراث الباهر ...!!!

وضغط
المسلمون على الروم يقصفونهم ذات اليمين وذات الشمال ، ثم قتلوا قائدهم
وخيرة أبطالهم ، وأظلم عليهم الليل وهم على ذلك ، ثم انهزموا شرّ هزيمة ،
حتى غاصوا في الأوحال التي صنعوها للمسلمين ، وتبعهم المسلمون يصطادونهم
بالرماح كأفراخ البط ، ولم يفلت منهم في هذه الملحمة إلا الشريد ...!!!


هذا هو تاريخكم يا أبناء الشام النجباء ، وهؤلاء هم أجدادكم ...

بطولة
، ورجولة ، وشجاعة ، وتضحية ، وجهاد ، وصبر ، ومصابرة ، وانتصارات مشرّفة
... فهل نقتدي بهم ، ونسير على نهجهم ، ونقتفي أثرهم ، ونجاهد جهادهم ،
ونصبر صبرهم ، ونضحّي تضحياتهم ، حتى النصر أو الشهادة ...


هذا هو أملنا بعد الله ، بكم ، وبثورتكم المباركة ...

(( يا أيها الذين آمنوا ، اصبروا ، وصابروا ، ورابطوا ، واتقوا الله لعلّكم تفلحون )) صدق الله العظيم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
خالد بن الوليد يقود جيوش الشام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأمل  :: فئة الترفيه و التسلية :: الأدب و الشعر-
انتقل الى: